إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
391
الإعتصام
قال الله تعالى « ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم » فأخبر سبحانه أنهم لا يزالون مختلفين أبدا مع أنه إنما خلقهم للاختلاف وهو قول جماعة من المفسرين في الآية وان قوله ولذلك خلقهم معناه وللاختلاف خلقهم وهو مروى عن مالك ابن أنس قال خلقهم ليكونوا فريقا في الجنة وفريقا في السعير ونحوه عن الحسن فالضمير في خلقهم عائد على الناس فلا يمكن أن يقع منهم إلا ما سبق في العلم وليس المراد ها هنا الاختلاف في الصور كالحسن والقبيح والطويل والقصير ولا في الألوان كالأحمر والأسود ولا في أصل الخلقة كالتام الخلق والأعمى والبصير والأصم والسميع ولا في الخلق كالشجاع والجبان والجواد والبخيل ولا فيما أشبه ذلك من الأوصاف التي هم مختلفون فيها وإنما المراد اختلاف آخر وهو الاختلاف الذي بعث الله النبيين ليحكموا فيه بين المختلفين كما قال تعالى « كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه » الآية وذلك الاختلاف في الآراء والنحل والأديان والمعتقدات المتعلقة بما يسعد الإنسان به أو يشقى في الآخرة والدنيا هذا هو المراد من الآيات التي كرر فيها الاختلاف الحاصل بين الخلق أن هذا الاختلاف الواقع بينهما على أوجه : أحدها الاختلاف في أصل النحلة : وهو قول جماعة من المفسرين منهم عطاء قال ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم قال - قال اليهود والنصارى والمجوس والحنيفية - وهم الذين رحم ربك - الحنيفية خرجه ابن وهب وهو الذي يظهر لبادي الرأي في الآية المذكورة واصل هذا الاختلاف هو في التوحيد والتوجه للواحد الحق سبحانه فإن الناس في عامة الأمر لم يختلفوا في أن لهم مدبرا يدبرهم وخالقا أوجدهم إلا أنهم اختلفوا في تعيينه على آراء مختلفة من قائل بالاثنين وبالخمسة وبالطبيعة أو بالدهر أو بالكواكب إلى أن قالوا بالآدميين وبالشجر وبالحجارة وما ينحتون بأيديهم .